محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الآخرة بمن عصى ربه وكفر به ، أكبر يوم القيامة من عقوبة الدنيا وعذابها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني بذلك عذاب الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : الله : كَذلِكَ الْعَذابُ أي عقوبة الدنيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : كَذلِكَ الْعَذابُ قال : عذاب الدنيا : هلاك أموالهم : أي عقوبة الدنيا . وقوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يقول : لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن عقوبة الله لأهل الشرك به أكبر من عقوبته لهم في الدنيا ، لارتدعوا وتابوا وأنابوا ، ولكنهم بذلك جهال لا يعلمون . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ يقول تعالى ذكره : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الذين اتقوا عقوبة الله بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني : بساتين النعيم الدائم . وقوله : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ يقول تعالى ذكره : أفنجعل أيها الناس في كرامتي ونعمتي في الآخرة الذين خضعوا لي بالطاعة ، وذلوا لي بالعبودية ، وخشعوا لأمري ونهي ، كالمجرمين الذي اكتسبوا المأثم ، وركبوا المعاصي ، وخالفوا أمري ونهي ؟ كلا ما الله بفاعل ذلك . وقوله : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أتجعلون المطيع لله من عبيده ، والعاصي له منهم في كرامته سواء . يقول جل ، ثناؤه : لا تسووا بينهما فأنهما لا يستويان عند الله ، بل المطيع له الكرامة الدائمة ، والعاصي له الهوان الباقي . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ . . . إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ . يقول تعالى ذكره للمشركين به من قريش : ألكم أيها القوم بتسويتكم بين المسلمين والمجرمين في كرامة الله كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول من رسله بأن لكم ما تخيرون ، فأنتم تدرسون فيه ما تقولون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ قال : فيه الذي تقولون تقرءونه : تدرسونه ، وقرأ : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ إلى آخر الآية . وقوله : إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ يقول جل ثناؤه : إن لكم في ذلك الذي تخيرون من الأمور لأنفسكم ، وهذا أمر من الله ، توبيخ لهؤلاء القوم وتقريع لهم فيما كانوا يقولون من الباطل ، ويتمنون من الأماني الكاذبة . وقوله : أَمْ لَكُمْ فيه أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول : هل لكم أيمان علينا تنتهي بكم إلى يوم القيامة ، بأن لكم ما تحكمون أي بأن لكم حكمكم ، ولكن الألف كسرت من " إن " لما دخل في الخبر اللام : أي هل لكم أيمان علينا بأن لكم حكمكم . القول في تأويل قوله تعالى : سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ . . . إِنْ كانُوا صادِقِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : سل يا محمد هؤلاء المشركين أيهم بأن لهم علينا أيمانا بالغة بحكمهم إلى يوم القيامة زَعِيمٌ يعني : كفيل به ، والزعيم عند العرب : الضامن والمتكلم عن القوم ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ يقول : أيهم بذلك كفيل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة